حين تكثر الأسئلة عن أسباب الظلام الفكري

16 مارس


أعتقد أنه لم يعد غريباً لو جئت وأقسمت أيماناً مغلظة بأن الأمة الإسلامية اليوم تعيش الإنحطاط الفكري والقيمي والأخلاقي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .

كل الناس ( العقلاء ) سيقولون : ما هذا الإختراع الجديد الذي جئت به ؟ أنت لم تأتي بجديد فكلنا نعرف أننا في ذيل القائمة من زمن طويل .

هنا سيظهر أننا متفقون في فكرة أننا نعيش على هامش الحياة الفكرية والثقافية والقيمية والأخلاقية ، وسيظهر الشيطان طبعاً في التفاصيل عندما نناقش الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا القيمة الإنسانية الرخيصة .

قد يأتي شخص أكثر رقياً وعدلاً وإنصافاً وتفاؤلاً ويقول : يا أخي لماذا هذا التشاؤم فالدول الخليجية بل حتى بعض الدول العربية والإسلامية تعيش قمة الحضارة والرقي والتنمية والرفاهية ، والإنسان في هذه الدول ربما يعيش ملكاً وربما هو أغنى من 75% من سكان العالم ، يا أخي يكفيك الأمن والإستقرار والأمن الغذائي والصحي والتعليمي إلى آخره من ضروريات الحياة ومكملاتها .

هنا لا أستطيع إلا أن أقف له تبجيلاً وتعظيماً على هذا الإنصاف وهذا العدل فلا شك أن الدول العربية المدنية الحديثة تقدمت كثيراً في مجالات التنمية الوطنية ورفعت الإنسان العربي البسيط إلى درجة عالية من الإقتصاد والرقي التنموي ووفرت له كل أدوات الحياة الكريمة .

وهذا لا خلاف فيه فالدول كقيادات وحكومات قامت بدورها فيما يخصها على أكمل وجه ، لكن لا يمكن لأي حكومة أو ملك أو رئيس جمهورية ولا يستطيع أن يفرض التنمية الإنسانية وقيم الحرية والتسامح والعدل والوعي ويدخلها بالقوة في عقل من لا يريد أن يفهم ولا يريد أن يتغير فكرياً وأخلاقياً وحضارياً وخصوصاً في ظل الثقافة الجمعية التي يمارسها المجتمع والتي تحارب القيم الإنسانية والتغيير عملياً حتى وإن رددتها نظرياً .

ولذلك فهذا الرقي التنموي الذي صنعته الدول المدنية الحديثة كان من المفترض أن ينعكس على الرقي الفكري والأخلاقي لهذه الشعوب .. فالإنسان الرفيع في مركزه ومنصبه والغني بثرواته كان يجب أن يكون أيضاً رفيعاً وغنياً بفكره ووعه وأخلاقه .

لكن للأسف هذا لم يحصل وإن حصل فهو محدود جداً .

نحن نعيش في هذه الفترة من الزمن إشكالية كبيرة في حياتنا من الناحية الفكرية والثقافية والأخلاقية والقيم الإنسانية ربما ستدمر كل ما هو جميل في حياتنا التنموية الراقية وهذه الرفاهية التي نتمتع بها .

1- شباب لم يعرفوا الحروب ولم يواجهوا المصاعب ولم يذوقوا عذاب الفقر والحرمان ولم يعتدي أحد على أموالهم أو أعراضهم ومع ذلك .. يخرجون على أبائهم وولاة أمورهم ويذهبوا إلى مواطن الفتن ليقتلوا ويقطعوا الرؤوس ويحرضوا ويهددوا بلدانهم ومقدراتها وحضاراتها وتراثها .

( لماذا ؟ ومن أين أتت هذه القسوة وهذه الكراهية وهذا الحقد ؟ )

2- آخرون يخرجون بسياراتهم الفارهة الغالية التي قد يتجاوز سعرها ما يكفي ميزانية قرية فقيرة لمدة 10 سنوات من الحياة الكريمة .. يقودونها كالصواريخ في شوارعنا مهددين حياة الناس ومتجاوزين ذلك إلى التفحيط وتدمير هذه النعمة التي لم يحصل عليها كثير من الناس المحتاجين لها لتوصيلهم إلى أعمالهم وضروريات حياتهم

( لماذا لا يقدرون قيمة هذه النعمة ؟.. ولماذا يدمرون أموالهم بأيدهم ؟ )

3- شباب يعيشون أجمل وأحلى أيام حياتهم .. لكنهم يهربون إلى المجهول في طريق يعلمون نهايته ومصيره جيداً .. يقتلون عقولهم وقدراتهم الذهنية والفكرية ويدفعون الغالي والرخيص في سبيل ذلك .. إنها المخدرات .

( ما الذي يجعلهم يضحون بمستقبل حياتهم بهذه البساطة ؟ )
( هل الواقع مر لهذه الدرجة ؟ )
( وما الذي ينقصهم ؟ )

4- ثقافة التصنيفات العنصرية الدينية التي لا نهاية لها .. ما بين تكفير الناس والطعن في معتقداتهم ونواياهم وطنيتهم وإتهامهم بالنفاق والزندقة والتغريب .. إلى آخره .
تصنيف لكل من يختلف
ولكل من يفكر
ولكل من يناقش
ولكل من يتساءل
حرب على العقل بكل ما تعنيه الكلمة .

ما هو الهدف منها ؟ وما هي المصلحة فيها ؟
ألا يعلمون أنهم لم يبقوا أحد إلا وصنفوه .. وأن هذا التصنيف طريق تدمير وليس طريق بناء وتعايش ؟
وقد يقود إلى مذبحة بشرية لو إختل غطاء الأمن والإستقرار ؟

ولذلك غابت ثقافة الحوار والتسامح والإنصاف في مجتمعنا وقد سبق وكتبت عن هذه الإشكالية .. فلا مكان لأي رأي ، إلا للرأي الجمعي الواحد

لدرجة أن أحرار الفكر أصبحوا لا يتكلمون ولا يبدون رأياً خوفاً من تصنيفهم ، وإن لم يكن خوفاً من التصنيف على الأقل الإبقاء على علاقتهم الإجتماعية مقبولة .

نعود بعد هذه الأمثلة لنطرح أسئلة طويلة عريضة ربما لن تنتهي :

1- ما سبب هذا التدهور الفكري وسوء الظن وإنعدام التسامح والعدل ؟

2- لماذا الإنسان العربي والمسلم يرخص نفسه ويقتل نفسه ؟

3- لماذا لا نقدر المنجزات ونحاول بناء المزيد بدلاً من الهدم ؟

4- لماذا لا نحترم بعضنا البعض ولا نقدر من يستحق التقدير ؟

5- لماذا نرفع ونمجد الديكتاتور الظالم .. وننقلب على المخلص الفاهم ؟

6- لماذا نحكم على الأشياء قبل نتائجها ؟

7- لماذا نجد المثقف في بلاد الغرب محترماً مقدراً بينما نجده هنا منبوذاً ليس له أثر في ثقافة الشباب ووعيهم إلا من خلال الإعلام والكتب المحدودة ؟

8- من المسئول عن محاربة وغياب المنابر الثقافية والفكرية المختلفة والفنون الإنسانية ؟

9- والسؤال الأكبر والذي يصعب الإجابة عليه نظراً لضخامته هو كيف نخرج ونعدل فكرنا وسلوكنا وأخلاقنا عملياً وليس نظرياً ؟

أترك إجابة هذه الأسئلة للقاريء الكريم ؟

خاطرتي لهذا اليوم الإثنين الموافق
25 / 5 / 1436هـ

————————————–
تم نشر هذه الخاطرة مع الشكر والتقدير في

صحيفة فيفاء أولان

 

يسعدنا تعليقكم