لماذا تزيدنا الأدلة تعنتاً؟ … مقال أعجبني

15 مارس


خلال ربع قرن من الكتابة اليومية تعلمت أشياء كثيرة.. تعلمت مثلا أن تقديم المزيد من الأدلة لا يزيد البعض إلا تعنتاً وتمسكاً برأيه.. ليس لأنه إنسان سيئ، ولا لأنني إنسان مثالي، بل لأنه يعتبر نقضك لرأيه اعتداء على شخصه وتقليلا لذاته (وهذا طبعا غير صحيح كون ملايين الناس قد يشتركون أو يختلفون معك في ذات الرأي)..

كنت أحيانا أقدم آيات وأحاديث ومصادر موثقة دون فائدة.. أدركت متأخرا أن الناس لا تتفق أو تختلف معك بحسب أدلتك، أو مصادرك، أو تحكيمك للمنطق (فهذه يمكن الالتفاف حولها أو تفسيرها بطرق مختلفة) ولكن بكل بساطة: هل أنت معنا أم ضدنا.. هل تتفق أدلتك وأبحاثك مع الأفكار التي نتبناها ونشأنا عليها (فنحملك حينها فوق رؤوسنا)، أم تختلف عن الأفكار التي ورثناها وتربينا عليها (فنتحزب ضدك ونقلب أدلتك فوق رأسك؟)..

لاحظ بنفسك صعوبة إقناع أحد هذه الأيام بالأدلة والإثباتات، أو حتى المصادر الشرعية التي يمكن تأويلها بطرق مختلفة؟.. لاحظ بنفسك أن بعض الناس (ولا أقول كلهم) يزدادون تعنتا وتمسكا بأفكارهم، كلما تعمقت في مناقشتهم، وأطلت الحديث معهم!!

هذا ما أسميه (بالمزاج الطفولي)، كون الطفل يزداد عناداً وتعنتاً، كلما حاولت إقناعه أكثر.. علم النفس يعترف بهذه الآلية ويطلق عليها the backfire effects أو عوامل خلق النتائج المضادة.. فمحاولاتنا إقناع البعض تعود علينا غالبا بنتائج معاكسة وغير متوقعة.. ففي حين تجتهد أنت في جمع الأدلة والإحصائيات والدراسات (وربما الأقوال والحكم التي تثبت كلامك) يستغرق صاحبك في كيفية تفنيدها وردها عليك بشكل مضاعف.. تلاحظ هذا في الواتساب ووسائل التواصل الاجتماعي حيث يأتيك الرد جاهزا ومتشنجا وخلال وقت قصير.. ولا يتعلق غالبا بالقضية التي تحدثت فيها أصلا..

ولأنني أدركت هذه الحقيقة منذ عام 2001 (حين أنشأت جريدة الرياض موقعها الإلكتروني وسمحت للقراء بالتفاعل معي) أعلنت في حساباتي الشخصية اعتذاري عن الردود والنقاشات علنية..

وبالطبع ليس هذا هو الأسلوب الأمثل لكسب المتابعين (والحصول على المزيد من اللايكات في تويتر)، ولكنني على قناعة بأن المناقشات التي لا تنتهي إلى اتفاق الطرفين تزيدهم شقاقا وابتعادا.. وهو ما لا أريد حدوثه فعلا..

الحقيقة التي لم يلاحظها معظمنا، أن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت شروخا وضغائن لم تكن لتظهر لو خفضنا نسبة الجدال من جهة، ورفعنا نسبة المعرفة وتبادل الخبرات من جهة أخرى..

لا يمكننا ردم هذه الفجوة إلا حين نعي هذا “المزاج الطفولي” ونتعلم الارتقاء فوقه.. لا يمكننا التخلص من النقاشات البيزنطية، إلا حين نتمتع بروح رياضية ونهتم (ليس بمن يفوز بالنقاش) بل كيف يفوز كلانا بالنقاش.. فالجدل (لمجرد الغلبة والاستعراض) يورث الأحقاد، ويخلق التعنت ولا يصل لنهاية جميلة.. قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: “ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا أوتوا الجدل” وقال أيضا: “أول ما عهد إليّ ربي ونهاني عنه بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر ملاحاة الرجال”.. في حين أوصى لقمان ابنه يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك، ولا الجهال فيحسدوك (وسيزدادون تعنتا ووقوفا في وجهك)..

افعل مثلي، واعتبر نفسك “ساعي بريد” مهمته تسليم الرسالة، وليس إقناع الناس بها.. بهذه الطريقة تتجاوز آلية (الرد الطفولي)، وتترك لهم فرصة تأملها، والتفكير بها واستخلاص نتائجها بأنفسهم.


للكاتب فهد عامر الأحمدي .. جريدة الرياض
جريدة الرياض

 

يسعدنا تعليقكم